أزمة التقييم والتحكيم في العالم العربي
د. وليد أحمد السيد
دكتوراة في فلسفة العمارة – مدير مجموعة لونارد ودار معمار بلندن
sayedw03@yahoo.co.uk
بإعلان نتائج الترشيح لجوائز منظمة المدن العربية لدورتها العاشرة, والتي أصدرتها في نشرة خاصة مؤسسة الجائزة بقطر قبل أيام, تنفضح سوءة جديدة من سوءات التحكيم والتقييم في العالم العربي. وقد كان كاتب هذه السطور ومنذ أكثر من 17 عاما قد آلى على نفسه عدم المشاركة في مسابقات أو ترشيحات في العالم العربي نظرا لغياب الموضوعية والأسس التي تستند إليها عملية التقييم والتي تزيد فيها بدرجة طاغية في الغالب الأهواء الشخصية والمصالح البراغماتية الخاصة للمتنفذين والمقررين, في نفس الوقت الذي تغيب فيه الأسس والقواعد العادلة والناظمة لطبيعة عمل اللجان المقررة – رغم الإعلانات "الجوفاء" التي تحفل بها منشورات الترشيح الرسمية كدعاية وحبر على ورق ليس إلا. وقد كانت آخر المرات التي شاركت فيها في مسابقة عالمية هي تطوير دار الكتب المصرية بمدينة القاهرة, والتي أعلن عنها في العام 1993 أثناء عملي في القاهرة مع الدكتور عبد الحليم إبراهيم وكمعماري مبتعث من مكتب المعماري راسم بدران بالأردن لتطوير منطقة شمال الجمالية التي تمتد من سور القاهرة التاريخي وجامع الحاكم شمالا لمساحة كبيرة تصل لأكثر من كيلومترا مربعا. وأذكر أنني وأربعة من الزملاء المعماريين البارزين في مدينة عمان قد قررنا الإشتراك من خلال مكتبنا في مدينة عمان بالمسابقة وحصلنا على وثائقها الرسمية, وبعد إجراءات التسجيل الرسمية ومطابقة شروح الترشيح والمسح الميداني للمبنى التاريخي لترميمه وتطويره حسب شروط المسابقة والإتصال رسميا مع الجهة المصرية المنظمة’ باشرنا بالعمل على تطوير فكرة التصميم الأساسية والمباشرة بتنفيذ مجموعات من الأفكار والتصورات المعمارية للمشروع. المسابقة تقدم لها آنذاك 11 مكتبا معماريا عالميا من الصين واليابان وأستراليا وبريطانيا وأمريكا ومكتبنا. ونظرا لطبيعة عملنا, وشغف فريق التصميم بالتراث العمراني لمدينة القاهرة خصوصا والتراث العربي عموما, يضاف إلى ذلك سخونة العمل على مشاريع التطوير بالقاهرة والخبرة المكتسبة بالعمل مع معماري عالمي كالدكتور راسم بدران, وتميز فريق التصميم بمكتبنا وهم من نخبة معماريي مدينة عمان, فقد شكلت كل هذه العوامل مناخا ملائما لتطوير مجموعة من الأفكارالمستوحاة والقريبة من تراثنا المعماري الذي يعالج أطروحات التراث والحداثة والأصالة والمعاصرة. بعد تسليم الوثائق ومتابعة عملية التحكيم الأولية وتقييم المشاريع المقدمة تقييما بدون معرفة أسماء المكاتب المتقدمة تم تقييم مشروعنا المقدمة ضمن اللائحة "القصيرة" مع مشروعين فقط من المشاريع الأحد عشر المقدمة واستبعاد الثمانية الأخرى من الجولة الأولى.
ما حصل بعد ذلك كان صدمة للفريق العامل والزملاء ممن تعب وكد لإنتاج التصاميم للمشروع على مدى شهرين من السهر المضني, فضلا عن التكاليف المادية والأعباء التي تتكبدها عملية المشاركة في مسابقة غير مدفوعة الأجر. فقد علمنا أن أحد أعضاء لجنة التحكيم قد "اشتبه" من نوعية الرسومات المقدمة بأن المتقدمين هم مكتبنا, ونظرا "لعقيدة معمارية" خاصة به وهي "ضرورة" أن يبقى المعماريون الناشؤون تحت مظلة وسقف معين لا يتجاوزوه – مما ينافي كل مبادئ التطور والإبداع وتشجيع التنافس وإطلاق المواهب في التاريخ البشري برمته – فقد قام باستبعاد مشروعنا على خلفية معرفته للمصممين, وخوفا من بروز أسماء جديدة ستشكل منافسا وندا مستقلا!
كانت هذه أولى وآخر الصفعات القوية التي تلقيناها كمعماريين ممارسين في مدينة عمان, ومنذ ذلك الحين فقد عزفت شخصيا عن الترشح والتقدم لأية مسابقة أو جائزة في العالم العربي, وبخاصة أننا لم نتلق حتى هذا اليوم تفسيرا أو تقريرا رسميا أو شهادة أو حتى ورقة شكر للمشاركة أو تبرير نتيجة التحكيم كمقابل لتعب شهرين وتعطيل مشاريع المكتب الأخرى التي أوقفنا بعضها أثناء العمل على المسابقة. وفي الصيف الماضي وأثناء التجول مع صديق معماري أكاديمي له باع وذراع في البحث والتأليف, وأثناء تجاذب أطراف الحديث ونحن نستكشف منطقة غرينتش بلندن وصل بنا الحديث للمسابقات وتشعب حتى جئنا على ذكر هذا المحكم وقصصت على صديقي ما حصل لنا, فعملت أن نفس المحكم كان عضوا في لجنة تحكيم بدولة عربية قبل سنوات, وحين تمت عملية التحكيم بصورة "مبهمة" بدون معرفة الأسماء تم الإجماع على مرشح معين بأنه الفائز الأول, ولما رفعت الحجب عن أسماء المرشحين للائحة القصيرة, وانكشفت الأسماء للمحكمين, وكان الفائز الأول معروفا للمحكم "جن جنونه" ورفض منحه الجائزة الأولى, وعقدت الجلسة تلو الجلسة للتقرير والمداولة حتى تمكن هذا المحكم من "فرض" رأيه على لجنة التحكيم بحجب الجائزة الأولى والإكتفاء بإعطاء المرشح الجائزة الثانية – بدعوى عدم توفر شروط الفوز بالجائزة الأولى!
ولم يدر بخلدي أنني وبعد عدة أشهر سأمر بتجربة مماثلة حين تقدمت للترشيح لجائزة المهندس المعماري لجائزة منظمة المدن العربية في دورتها العاشرة والتي تعقد كل سنتين من مقرها بالدوحة بقطر. لكن الدافع الأساسي لدي كانت قناعتي بملائمة شروط الترشيح والتي تنص على ضرورة إسهامات المرشح في مجال التراث العمراني وتقديم رؤية لرفد العمارة العربية المعاصرة من خلال الأعمال والأبحاث – وهو ما اجتهدت على مدى عقدين ماضيين فكرا وتطبيقا لتحقيقه كمشروع ممتد وقائم غدا منهجا وطريقة حياة وعملا حياتيا وأكاديميا وعمليا.
نتائج الترشيح التي أعلن عنها قبل أسبوع عن مؤسسة الجائزة بقطر لم تكن مفاجئة في بدايتها, فحجب المركز الأول بدعوى عدم ملائمة شروط الترشيح من المتقدمين التسعة كانت كما يبدو "تقليدا وعرفا تحكيميا عربيا" بامتياز يعكس مزاجية لجنة التحكيم! لكن المفاجأة الصادمة والمدهشة تبينت بعد أيام وبعد إعلان أسماء لجنة التحكيم التي تحوي مجموعة من الأسماء "المجهولة" بمعظمها في الوسط المعماري والتخطيطي – وهو ما ظننته في البداية حيث لم أستطع تبين إسم واحد من الأسماء الأكاديمية أو المهنية الممتدة في العالم العربي الكبير في مجالات العمارة والتخطيط والفنون وما يرتبط بها من قريب أو بعيد. ولكن بطل العجب حين طالعت المجلة التي صدرت ونشرت فيها أسماء لجنة التحكيم وتخصصاتهم. فللمفارقة فلجنة التحكيم لاختيار المهندس المعماري الفائز وتقييم أعماله التي تنتمي للتراث كانت مكونة من مختصين في (علوم الحاسب والرياضيات وآخر في تقنية الحاسوب وعلومه وثالث مختص في الزراعة – نعم الزراعة (!) – وخبير في الفنون الجميلة, ومهندس كيميائي – نعم مهندس كيميائي (!), ومختص في البيئة على إطلاقها, ومخططي مدن)!!!!
سلسلة المفاجآت لم تتوقف عند هذه "الفضائح القيمية" في هذه اللجنة لتحكيم الجوائز, لكن مقرر اللجنة وبعد معرفة اسمه أعاد لكاتب هذه السطور ذكرى مقابلة من خمس دقائق فقط كشفت لي آنذاك مدى ضحالة الفكر المعماري الأكاديمي ودوغمائية بعض العقليات التي تقبع في بعض معاهد العالم العربي. فقبل عشرين عاما وأثناء إعداد مقترح أطروحة الماجستير لكاتب هذه السطور طفقت استمزج آراء بعض الهيئة الأكاديمية قبل الحصول على موافقة لجنة القبول بالماجستير لعمل أطروحة طموحة خارج المتعارف عليه بقسم العمارة بالجامعة الأردنية آنذاك. الأطروحة كانت بعد سنوات من انطلاقتي في حب البحث في التراث العمراني وفلسفته وبعد سنوات من العمل مع كبار معماريي العالم العربي وتصميم مجموعات من المباني التي تعالج إشكالية جدلية في التراث والحداثة. ومن هنا فقد كانت أطروحتي للماجستير تجسد تتويجا لعدة سنوات من مقابلات وممارسة عملية وقراءات وبحث في فلسفة التراث والحداثة, فقمت بصياغة مقترح عنوانه "الأصالة والمعاصرة في العمارة العربية المعاصرة بين النظرية والتطبيق في أعمال حسن فتحي وراسم بدران وعبد الواحد الوكيل". وبعد أخذ الدعم من مشرفي الأستاذ محمد المعاني كان لا بد من عرضه على بقية أعضاء لجنة الماجستير انفراديا لمناقشته قبل إدخاله على اللجنة. وتلقيت كامل الدعم من كل أعضاء اللجنة آنذاك - رغم صعوبة الموضوع - باستثناء واحد هو نفسه الذي كان مقرر لجنة جائزة منظمة المدن العربية لهذه الدورة العاشرة! وأذكر أنني لم أطق مناقشة المقترح معه أكثر من خمس دقائق "لضحالة الفكر المعماري" الذي سمعته أثناء المناقشة, حيث دار الكلام خلالها عن سطحيات الفناء والخصوصية بعيدا عن عمق فلسفة التراث والحداثة والتي كنت قد شكلت أطروحة عامة عنها. وبالنتيجة فقد تم إقرار المقترح من قبل اللجنة ورغم اعتراض هذا الأكاديمي, لأنتج بالنهاية واحدة من أوائل أطروحات الماجستير بقسم العمارة والتي عالجت وللمرة الأولى في تاريخ القسم قضية فلسفية وأطروحة نظرية بعيدا عن الدراسات الوصفية والميدانية التي تبحث في وصف شارع في مدينة أو مبنى في حارة. وقد قال لي بالحرف الواحد أحد أرفع الأساتذة بقسم العمارة آنذاك درجة علمية, وكان أحد أعضاء لجنة القبول, بعد مناقشة الرسالة: إن هذه الأطروحة هي أشمل وأوسع من رسالة ماجستير بالمفهوم التقليدي بما يضعها في إطار أطروحة دكتوراة! وبعد سنتين التحقت بجامعة لندن حيث أكملت رسالة دكتوراة في بحث فلسفة التراث في العمارة العربية المعاصرة وتحليل أكثر من 112 بيتا عربيا تقليديا باستخدام نظرية جديدة تعتمد الكمبيوتر للتحليل وتفسير النتائج.
كل ذلك ويضاف إليه أكثر من عشرين عاما من الخبرة العملية’ صمم خلالها كاتب هذه السطور العبد الفقير, مباني في الأردن ومصر والسعودية وسلطنة عمان والكويت, بالإضافة لقيادة فريق تصميم مصغر لتخطيط وتصميم أربعة مدن صغيرة في الأردن قبل أعوام, فضلا عن عضوية لجنة استشارية عالمية مختصة بشؤون التراث العمراني في الوطن العربي’ والعمل كمستشار لأكثر من جهة عربية وأوروبية, والبحث المستمر والمضني والكتابة بنشر أكثر من 120 مقالا وبحثا في مجلات عمرانية محكمة وكتابا في "فلسفة التراث في عمارة المجتمعات العربية بين التراث والحداثة" – كل ذلك وغيره من مقابلات متلفزة في محطات عالمية بلندن حول التراث العربي والحفاظ عليه والتراث الفلسطيني وتهويده ومناقشة ميثاقيات الحفاظ التراثي العالمي, كل ذلك تم "تجاوزه" من قبل لجنة تضم مختصين بعلوم الزراعة والحاسوب والرياضيات والصيدلة والبيئة! وفوق ذلك كله, فاستمارة الترشيح التي قدمتها للجائزة واضحة في مؤهلاتي الأكاديمية حيث أحمل درجة الدكتوراة في فلسفة العمارة من جامعة لندن, لكن النتيجة بالوثيقة الصادرة عن الجائزة تضع بجانب إسمي (م.), برغم أن بقية أسماء المرشحين تسبق بدكتور وحتى أستاذ دكتور. فبجرة قلم "سحرية" أيضا تم تجريدي من درجة أكاديمية بحثت لإتمامها في فلسفة العمارة والتراث وكاد نور عيني يخفت سهرا وكدا وتعبا!
العالم العربي يعيش أسوأ مراحله التاريخية في تقييم وتقدير كفاءاته, وليس هذا انعكاسا لتجربة شخصية فقط’ بل هي ملاحظات وتجارب مرت بالكثيرين, مما يجعله عالما "طاردا" للإبداع – على عكس العالم المتقدم الذي "يتلقف" الإبداع والمواهب في مهدها ويطورها وينميها. وفي الوقت الذي يتقدم فيه مرشح عربي بكافة أنواع الخبرات تفوق أكثر من عشرين عاما وربما تفوق خبرات بعض أعضاء لجنة التحكيم, وهذه كلها يتم وضعها جانبا, تجد وللمفارقة والعجب موهبة غربية تكاد تحبو وقد حصدت تقديرات محلية في أوطانها تجعل لها إنطلاقة كبيرة نحو مستقبل مشرق. العالم العربي قد تقزم في تجربة لجنة الجائزة لمنظمة المدن العربية الأخيرة حتى غدا محدودا وصغيرا وليس به كفاءات عربية مناسبة لتحكيم الجائزة, لدرجة الإستعانة بمختصين, مع الإحترام لهم شخصيا, من تخصصات الزراعة والرياضيات والحاسوب لتقييم أعمال معماري تمتد لأكثر من عشرين عاما على المستويين النظري والعملي.
ومن هنا يصبح لزاما أخلاقيا وقيميا على الأقل على الجهات المنظمة للمسابقات والجوائز في العالم العربي أن تعلن مسبقا أسماء لجان التحكيم وقبل فتح باب الترشح للمتقدمين, وذلك كي تعطى الفرصة للمتقدمين لمعرفة هؤلاء المحكمين وتخصصاتهم وخلفياتهم العلمية من ناحية, وكي يتفادى المشاركون أي "تضارب" مصالح قد يمكن التنبؤ به مسبقا بين المرشح والمحكم بناء على تواريخ "شخصية" من ناحية أخرى, فضلا عن توفير الوقت والجهد وتوفير مؤونة الترشح في حالات يرى فيها المرشحون عدم أهلية لجنة الحكم للخروج بنتائج منصفة. حيث يبدو أن المزاجية وهلامية المعايير التي يتم التحكيم على أسسها هي ما يسود في العالم العربي وأهواءه المتقلبة!
وليد أحمد السيد
لندن في 19 شباط 2010 للمزيد من مواضيعي