مفهوم الادارة الحضرية
بحث مقدم من قبل
د.علي كريم العمار
جامعة بغداد
المعهد العالي للتخطيط الحضري والإقليمي
مشكلة البحث
يعد تراكم المشاكل المعاصـــرة والتي تعاني منها مدننا وبكافــة المتغيرات ( الاجتماعية- الاقتصادية- البيئية) والناشئة بسبب ارتفاع حجم السكان والضغط المتزايد على الخدمات المتاحة يستوجب البحث عن أداة تهتم بإعادة التوازن بين المتطلبات الحالية والمستقبلية وضمن حيز مكاني واضح ومحدد المعالم ومحاولة التنسيق بين عوامل مختلفة تتمثل بـ( السكان والنشاطات ومصادر التمويل).
هدف البحث
يحاول البحث في التمعن في الفكر القديم وكيفية أدارة شؤون المستقرات الحضرية وأنماطها والرؤيا الفلسفية لها في محاولة للتطويع والاستفادة في التطبيقات المعاصرة للإدارة الحضرية.
منهجية البحث
يستعرض البحث التطورات الفكرية لمفهوم الإدارة الحضرية وفق ثلاث مباحث:
• المبحث الأول: يتناول تطور مفهوم الإدارة الحضرية عبر المراحل التاريخية القديمة وانتهاء بالعصر الإسلامي.
• المبحث الثاني: فيتناول أهم مقومات الإدارة الحضرية المعاصرة
• أما المبحث الأخير : عقد مقارنة وصفية ما بين الفكر القديم والمعاصر
• ثم الاستنتاجات والتوصيات التي تم التوصل إليها.
المستخلص :
يتناول هذا البحث التمعن والاستكشاف في الفكر القديم المرتبط بحضارات ساهمت في مد المعرفة والفكر الإنساني بشتى صنوف المعرفة والتطور المبني على سلسلة من التجارب والتواصل الحضاري ولكون البعد ألزماني يحاكي الأبعاد المكانية اللازمة في التطبيق والبناء فلابد أن يدفع هذا الهاجس ان كان مخططاً له، أو بدافع عفوي إلى إيجاد شكل من إشكال الأسس الأولية للعناية بالعلوم المتخصصة بالبيئة وكافة إبعادها الفيزيائية والبشرية سواء أكانت بيئة مسيطراً عليها تحكمها أبعاد منظورة تبدأ بشكل ومكان مزاولة الفعاليات المحددة منها إلى البيئة الأولية والتي تضطلع الطبيعة في تأمين مهامها وفي التمعن بهذا النهج نرى إن طرق تأمين النظم في كيفية السيطرة الإيجابية التي تؤمن حركة وعلاقة العناصر المكانية (المادية والبشرية) وتأمين سبل الحماية والاستقرار لها فقد تطورت معها نظم التفكير في كيفية السيطرة على السلوك البشري المبني في أولياته على السلوك العدائي إلى سلوكيات متحضرة وفي بيئة مسيطراً عليها تهدف إلى تأمين معيشة ملائمة للسكان في ممارسة طقوسهم اليومية ضمن رقعة محددة مكانياً وذلك من خلال الوسائل التي اعتمدت لبناء تراتيبية بين عناصر الهيكل المكاني وعلاقاته المكانية، وما هذه السبل إلا تعبيراً وتجسيداً عن شكل من إشكال الإدارة والتي أدخلت في مضمونها فكرة الحاوي والمحتوى لهذه العناصر وكيف يتم وظيفياً التعامل معها وعلى هذا الأساس فأن موضوعنا ولأجل تحقيق فرضية الأساس في كيفية الاستفادة من الفكر القديم في التطبيق المعاصر فسيعرج إلى توضيح،ماهي فلسفة الإدارة الحضرية ومبرراتها وأنماطها وإشكالها ثم وصف ملامح الإدارة الحضرية في فلسفة الحضارات القديمة فيما ينتقل المبحث الأخير التحليل وتبيان المقارنة الوصفية مابين الاتجاهات الحالية والمعاصرة للإدارة الحضرية وفلسفتها في الحضارات القديمة وأخيرا فأن البحث قد وضع جملة من الاستنتاجات العلمية والتوصيات.
المبحث الأول
الإدارة الحضرية في فكر الحضارات القديمة
مقدمة
إن اهتمام الحضارات القديمة وعبر مراحلها بالإنسان دفعها إلى التفكير في كيفية التواصل الحضاري بين شعوبها وكيف يحدث ولكون البعد الزماني يحاكي الأبعاد المكانية لمخيلة التفكير في البناء والتغيير، فقد دفع هذا الهاجس أن كان مخططاً له أو بشكله العفوي إلى إيجاد السبل والأسس الأولية للعناية بالمكان سواء أكان مكاناً مسيطراً عليه تحكمه أبعاد منظورة تبدأ بأماكن مزاولة الفعاليات المحددة منها الى المكان الأولي الابتدائي والتي تضطلع الطبيعة في تأمين مهام الديمومة والبقاء والصراع بينهما.
وبهدف تأمين النظم ولإيجاد الطرق التي تؤمن الحماية والاستقرار فقد تطورت نظم التفكير في كيفية السيطرة على السلوكيات العدائية المرتبطة ببيئة مسيطرة إلى السلوك المتحضر وببيئة مسيطرُ عليها، ومن هنا يمكن وصف الفترات التي تلت هذه السلوكيات بأنها مرحلة ظهور النظام المخطط في إدارة شؤون المجتمع ومنها النظام الإداري بمعناه الواسع، فإدارة الملك للرعية والقدسية المفترضة له ومن ثم الشرعية المفروضة بقوانين تعبر عن شكل من أشكال الحكم وهي تعني بجوهرها إدارة الحكم، وفي مجال تنفيذ الأحكام ومتطلباتها نرى أن إدارة المستقرات الحضرية هي إحدى وسائل التنفيذ تلك والشكل الأكثر تعاملاً مع الرعية والآثار التي تركت تعبيراً واضحاً عن سبل الوصول إلى تحقيق بيئة ملائمة مسيطراً عليها لتأمين معيشة ملائمة للسكان في ممارسة طقوسهم اليومي والتي اعتمدت مبدأ الترابتية بين عناصر الهيكل المكاني والتي تدخل في مضمون الحاوي والمحتوى لهذه العناصر وكيف يتم وظيفياً التعامل بينهما.
وبناء على ما تقدم سنحاول في هذا المبحث أن نستطلع ملامح هذا الأسلوب في إدارة مجتمعات ما قبل التأريخ من خلال التعرف إلى السمة البارزة لمدن هذه المرحلة وكيف أمكن تطويع الفكر التخطيطي في الإدارة والتشريع في الفكر القديم وصولاً إلى المرحلة الإسلامية والي تعبر عن أحد الأوجه المشرقة في إدارة المستقرات الإسلامية وفق قوانين سبق وطبقت تعجز عن تطبيقها الإدارات المعاصرة شكلاً مضموناً.
1-1 ملامح الإدارة الحضرية عبر التأريخ:-
1-2 :-الفترة ما قبل الإسلام:
قبل الولوج في فهم هذا الموضوع لا بد من التطرق إلى النشأة والأشكال التي ظهرت عليها المدينة القديمة والسمات الأساسية التي برزت فيها ثم نعرج إلى أهم المحددات التي أظهرت الحاجة إلى تطور وتبني الوسائل الإدارية والتنظيمية لإدارة الفعاليات في تلك المدن وحسب المراحل الزمنية التي مرت بها.
-1-1-1:- بماذا اتسمت المدن في هذا الفترة؟
نقصد بالفترة هذه، المراحل التاريخية( للحضارات القديمة التي قامت في حوضي الرافدين والنيل) حيث نستطيع أن نصف المدينة في هذه المرحلة بأنها( مصطلح يطلق على نمط حياتي جديد غير المعروف عنه كالقرى) وأن السمات التي اتصفت بها كانت متناقضة فقد جمعت بين مفهومين هما الحماية( لمستوطنيها) وبواعث العدوان وقد كان لهذا التناقض ما يبرره حيث جعلت من التهيؤ( وعلى نطاق واسع) جزءاً من حرية التصرف والتنوع والتنظيم، فالساكن وسط تلك المستقرة لا بد أن يكون( متمدناً بقدر ما) مع احتفاظه بميوله البايلوجية الأصلية التي تحتوي على صفات التهيؤ للعدوان الحربي… والتدمير.. وخلاصة هذا أن المدينة وطبقاً للتخطيط البشري الساكن فيها كان له طابعان ( ):
الأول: طابع أستبدادي
الثاني: طابع رائع
فقد كانت من ناحية حصناً منيعاً أو مركز سيطرة الملك وسلطانه وكانت من ناحية أخرى صورة من الجنة تتحول فيها قوى الكون البعيدة إلى نظم فعالة، فأنتقال مركز الجاذبية من الحصن إلى المعبد ومن القلعة إلى السوق وما يجاورها كلها تغيرات تبعتها الكثير من المشاكل التي أصبحت جديدة مما يتطلب تجاوزها وبشيء من الهدوء والألفة ومن كل ذلك لا بد من توقع ظهور العديد من الحاجات الإنسانية المتباينة بمرور الوقت.
أن تلك المؤشرات وما يمكن ظهوره من تفاعلات مكانية أوجبت ظهور الحاكم أو المسؤول عن كيفية إدارة تلك المستقرات الحضارية بمرونة لم يألفها سابقاً.
1-1-2:- الأشكال والتخطيطات التي ظهرت عليها المدينة؟
أن الحاجة تبرر الوسيلة، فكما أن للمدينة خطتها الخاصة التي جاءت من خلال اعتماد نوع أو آخر من التخطيط وبغض النظر عن الفترة التي تطورت فيها الخطة، فأن المدينة يندر أن تكون بنمط تخطيطي واحد، فالسمة الغالبة لها انما تملك أكثر من خطة تتفاعل مع بعضها لتكون بنمط تخطيطي واحد وبالنسبة للخطط فهنالك القديمة وهنالك الأحدث، وكثيراً ما تستلهم الخطط الحديثة من الخطط القديمة، وعموماً يمكن القول بأن هنالك مدناً نشأت غير مخططة
يتبع....
a
رد مع اقتباس



مواقع النشر (المفضلة)